محمود محمود الغراب
الرؤيا والمبشرات 10
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
الصورة المدركة راجعة للمرئي ، بالنظر إلى منزلة ما من منازله وصفاته التي ترجع إليه ، فتلك رؤيا الأمر على ما هو عليه بما يرجع إليه ، والمرتبة الثانية أن تكون الصورة المرئية راجعة إلى حال الرائي في نفسه ، والمرتبة الثالثة أن تكون الصورة المرئية راجعة إلى الحق المشروع والناموس الموضوع ، أي ناموس كان ، في تلك البقعة التي ترى تلك الصورة فيها ، في ولاة أمر ذلك الإقليم القائمين بناموسه ، وما ثمّ مرتبة رابعة سوى ما ذكرناه ، فالأولى وهي رجوع الصورة إلى عين المرئي ، فهي حسنة كاملة ولا بد لا تتصف بشيء من القبح والنقص ، والمرتبتان الباقيتان ، قد تظهر الصورة فيهما بحسب الأحوال ، من الحسن والقبح والنقص والكمال ، فلينظر إن كان من تلك الصورة خطاب ، فبحسب ما يكون الخطاب يكون حاله ، وبقدر ما يفهم منه في رؤياه ، ولا يعول على التعبير في ذلك بعد الرجوع إلى عالم الحس ، إلا إن كان عالما بالتعبير ، أو يسأل عالما بذلك ، ولينظر أيضا حركته - أعني حركة الرائي - مع تلك الصورة من الأدب والاحترام أو غير ذلك ، فإن حاله بحسب ما يصدر منه في معاملته لتلك الصورة ، فإنها صورة حق بكل وجه ، وقد يشاهد الروح الذي بيده هذه الحضرة ، وقد لا يشاهده ، وما عدا هذه الصورة فليست إلا من الشيطان ، إن كان فيه تحزين ، أو مما يحدث المرء به نفسه في حال يقظته ، فلا يعول على ما يرى من ذلك ، ومع هذا وكونها لا يعول عليها ، إذا عبّرت كان لها حكم ولا بد ، يحدث لها ذلك من قوة التعبير لا من نفسها ، وهو أن الذي يعبّرها لا يعبرها حتى يصورها في خياله من المتكلم ، فقد انتقلت تلك الصورة من المحل ، الذي كانت فيه حديث نفس أو تحزين شيطان ، إلى خيال العابر لها ، وما هي له حديث نفس ، فيحكم على صورة محققة ارتسمت في ذاته ، فيظهر لها حكم أحدثه حصول تلك الصورة في نفس العابر ، كما جاء في قصة يوسف مع الرجلين ، وكانا قد كذبا فيما صوراه ، فكان مما حدثا به أنفسهما ، فتخيلاه من غير رؤيا ، وهو أبعد في الأمر ، إذ لو كان رؤيا لكان أدخل في باب التعبير ، فلما قصاه على يوسف ، حصل في خيال يوسف عليه السلام صورة من ذلك ، لم يكن يوسف حدّث بذلك نفسه ، فصارت حقا في حق يوسف ، وكأنه هو الرائي الذي رأى تلك الرؤيا لذلك الرجل ، وقاما له مقام الملك الذي بيده صور الرؤيا ، فلما عبّر لهما رؤياهما ، قالا له : أردنا اختبارك وما رأينا شيئا ، فقال يوسف : قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ فخرج الأمر في الحس كما عبر .